الدستور اولا , الدستور اخيرا

الجدل الحادث في مصر الآن يمكن أن نطلق عليه ” كلمة حق يراد بها باطل” , وأقصد الجدل الدائر حول الدستور وما حدث من انقسام المصريين حوله , فالنخبة المثقفة وما تضمه من ليبراليين ويساريين وعلما نيين وغيرهم يصرون علي وضع الدستور أولا ثم بعد ذلك تأتي الانتخابات البرلمانية والرئاسية وهذه الفئة هي التي رفضت التعديلات الدستورية الأخيرة , أما الغالبية من فئات الشعب وهي التي وافقت علي التعديلات فهي تري إجراء الانتخابات أولا علي اعتبار انه البديل الصحيح وخصوصا انه يتوافق مع باقي خارطة الطريق التي تم وضعها , علي أي حال ليس هذا هو موضوعنا الآن , ماأريد توضيحه هو أن هذا الجدل برمته ليس هو مانحتاجه الآن ولا يصح أن يكون علي رأس أولوياتنا . فلن تكون هناك فروقا جوهرية بين الدستور في الحالة الأولي وبينه عند تطبيق الخيار الثاني فالتخوف من التيار الديني مبالغ فيه بشكل كبير ولو افترضنا نجاح كل مرشحي الإخوان فاعلي نسبة يمكن أن يحصلوا عليها لن تزيد بأي حال عن 50% وبالتالي فهناك 50% أخري للتيارات المختلفة ومن هنا فهناك توازن في اللجنة المتوقع تشكيلها لإقرار الدستور , وأنا اجزم أن الدستور في الحالتين لن يحتوي علي فروق ذات معني جوهري , هذه واحدة أما الاخري فإننا نعطي مواد الدستور أكثر من حجمها في الواقع فقد يكون هناك طغيانا في بلد يحتوي دستوره علي أكثر المواد ليبرالية وقد نفتقد العدالة في بلد يركز دستورها في كل صفحة علي العدالة الاجتماعية , الدستور ليس هو الضمانة الوحيدة لإنشاء نظام عادل ومتحضر , فالدساتير متشابهة لحد كبير والأنظمة مختلفة إلي حد أيضا كبير , قد يكون الدستور واحد من الضمانات لكنه ليس هو الضمانة الوحيدة , هناك دولا ليس بها دستور أصلا ولم يقل أحد بأنها متخلفة ,نحن في حالتنا هذه مثل عائلة تهدم عليها بيتها – أو قامت بهدمه – ثم وقفوا عند الأنقاض يتناقشون في أماكن وضع الأعمدة للبناء الجديد وعلت صيحاتهم واختلفوا وتناسوا أن هناك أناس منهم تحت الأنقاض لم تتم أغاثتهم , فالصحيح أن يتم الإنقاذ السريع لهؤلاء ثم بعد ذلك نبحث ونتفق علي أسلوب البناء الجديد , هذا ما أريد توضيحه الآن : نحن في حاجة إلي انتشال من هم تحت الأنقاض أولا , هناك فقه يسمي فقه الأولويات يجب أن نعيه جيدا والهدف منه أن نبدأ بما هو مهم والذي لو تركناه لتضاعفت المشكلات وزاد حجم الخسائر , وأنا أري ضرورة التركيز في الوقت الحالي علي ضرورة عودة الأمن بكل قوته وتكاتف المجتمع لتحقيق هذا الهدف فهو أهم من الاتفاق أو الاختلاف علي توقيت الدستور , فالأمن هو الضمانة الوحيدة للاستقرار والركيزة الأساسية لعودة هيبة الدولة وانتهاء مرحلة الفوضي التي نعيشها حاليا والبداية الصحيحة لإنعاش الوضع الاقتصادي . الأمن في مثالنا الذي ذكرناه هو الجريح الموجود تحت الأنقاض مطلوب من الجميع إنقاذه ليس لأنه فردا في العائلة التي تهدم بيتها فقط بل لكونه حارس هذه العائلة والمسئول عن سلامتها.

Leave a comment

Filed under Uncategorized

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s