ملاحظات عن الثورة الثانية

لم يحدث ان خلق الله سبحانه وتعالي شخصين متشابهين ومتطابقين في كل الصفات ، حتي أن الإخوة والتوائم لابد وان يكون لكل منهم  شكل مختلف ، كل منهم نسيج وحده ، كذلك الأيام والأحداث فلا يمكن ان تتطابق فلا اليوم مثل الأمس وكذلك الغد له شكل لا يشبه اليوم وهكذا ، ونظرية ما أشبه الليلة بالبارحة هي نظرية غير سليمة فالليلة أبدا لم تكن مثل البارحة وهذا ما حاول شباب الثورة أن يقنعنا به ، حاولوا أن يستحضروا روح يناير في نوفمبر ، أرادوا أن يعيدوا نفس الروح ونفس الأيام وسموا ما حدث في نوفمبر بالثورة الثانية ، وأرادوا لها أن تكون نسخة طبق الأصل من الثورة الأولي ، فالأسلوب  هو هو لم يتغير – المليونيات – والزمان هو نفس الزمان – يوم الجمعه – والشعارات هي نفسها مع تغيير طفيف في الأسماء حيث تم وضع اسم المشير مكان مبارك ، فإسقاط النظام هو ما يريده الشعب و ” أرحل ” و ” مش هانمشي هوه يمشي” أشارة إلي رحيل المشير ، مع ارتفاع نبرة  الغلو والتطرف في الكثير من الشعارات ، وبعد أن كان الأمن هو العدو الرئيسي  أنضم اليه في وقت لاحق  الجيش والمجلس العسكري ، علي أي حال سوف أحاول رصد أهم ملاحظاتي حول ما حدث في نوفمبر  :

أولا: الشعب الذي أيد وناصر ودافع عن إسقاط النظام في يناير قد أصابه الإحباط والملل وفقد الحماس نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية والأمنية فالثورة التي نادت بالحرية والعدالة الاجتماعية لم نري لهذه الشعارات  أي أثر علي ارض الواقع فالوضع الأمني متردي والأسعار في ارتفاع مستمر والبطالة في ازدياد والبورصة تخسر يوميا والعاملون في السياحة يبحثون عن مصدر آخر للرزق وكثير من الشركات الصغيرة علي وشك الإفلاس ، فكيف للناس أن تؤيد وقف الحال ؟ الشعب الذي كان يريد في يناير إسقاط النظام يريد الآن أن تتحسن أوضاعة المعيشية والأمنية ، يريد أن يعيش بشكل لائق تحت أي نظام ، هذا هو الفرق فمن خرجوا في يناير لم يخرجوا بعدها في نوفمبر ، بل تجمع العديد منهم في العباسية ليطالبوا بالاستقرار ، وبعد أن كان في مصر ميدان واحد يضم الشعب كله أصبح هناك أكثر من ميدان ، كان علي النخبة التي نراها في التحرير صباحا وفي الفضائيات مساءا أن تعي ذلك وتعلم أنها تقف علي مسافة كبيرة من الشارع الذي تدعي أنها تتحدث باسمه .

ثانيا: المطالب والشعارات التي تم رفعها لم تكن مقبولة أو معقولة ، فالمجلس الرئاسي الذي يطالبون به لم يقل لنا أحد من هم أعضاؤه ومن الذي رشحهم وهل هناك توافق مجتمعي عليهم ؟ إذا كان للثورة ألف ائتلاف وألف تجمع ولدينا مائة خطيب للثورة ومائة متحدث باسمها حتي أنها لم تستطع بعد عشرة أشهر أن توحد صفوفها في قيادة واحدة ، فهل يصح بعد كل هذه الفترة ألا توجد لدي كل هذه الائتلافات قيادة واحدة ؟ وكلنا يذكر الدكتور الجنزوري عندما تحدث مع عشرة ائتلافات مختلفة للثورة في يوم واحد ليفاجأ في اليوم التالي بتصريحات من التحرير تنفي أن يكون هؤلاء ممثلين للثوار ، هل في خضم هذه الأجواء يتوافق الجميع علي مجلس يحكم البلاد ؟ والحقيقة انه ما أجتمع مصريان الآن إلا كان سوء الظن ثالثهما .

ثالثا :  لم تعجبني القنبلة التي أطلقها المشير حول الاستفتاء علي رحيل المجلس لأنها تكرس تقسيم مصر إلي معسكرين – وهو التقسيم الذي يحدث بالفعل الآن – وبرغم حدوثه إلا أن دور المجلس يجب أن يكون مع الجميع وليس مع المؤيدين دون المعارضين ، فالكل مصريون وان اختلفت الآراء.

رابعا: بعد يناير وفبراير كان علي الإخوة الثوار ومن يطلق عليهم نشطاء أن ينتقلوا من ملعب الثورة إلي ملعب السياسة ، بمعني أن تكون السياسة هي الإطار الذي يتحرك فيه الجميع  ، وخصوصا بعد تشكيل هذا العدد الخرافي من الأحزاب ، غير أنهم استعذبوا دورهم الثوري وحنينهم الدائم إلي الميدان – بالألف واللام – ورفضوا الأحزاب القديمة والجديدة واعتبروا أن قبلتهم هي التحرير ، في حين أن غيرهم – أقصد التيارات الإسلامية – انطلقوا يعملون بجد حتي يكونوا جاهزين للملعب السياسي ، ولعل نتائج انتخابات مجلس الشعب تكون دليلا علي ما أقول ، ويكفي منظر شباب الإخوان ومع كل منهم ” لاب توب”  أمام كل لجنة ليرشدوا المواطنين علي بياناتهم ، فالمشهد الذي رأيناه هو : شباب يعمل بجد واجتهاد في الدعاية ويجذب إليه الناخبين والآخرين ينادون بسقوط النظام في التحرير .

خامسا : من أسوأ افرازات العشرة شهور الماضية الاستقطاب الحادث الآن بين التيارات الإسلامية والتيارات الاخري مجتمعة ، وكان بدايته الاستفتاء ثم ما تلي ذلك من أحداث ، وهي جريمة ارتكبها الجميع إسلاميون وعلمانيون وليبراليون وغيرهم ،وتبناها المجلس العسكري وغذاها بغباء وحماقة الإعلام وأشاعها شباب جاهل علي المنتديات وفي فضاء الانترنت من خلال مقاطع فيديو وكلمات بذيئة ونكات – عادتنا ولن نشتريها –  وهذا الاتجاه الأحمق سوف نعاني منه كثيرا ، فبدلا من أن تسود روح التعاون والمشاركة وبدلا من البحث عن الأمور المشتركة التي  يجتمع عليها الناس ، بدلا من التوافق بدأنا في تغذية التناقضات ولعبنا علي المشاعر الأنانية لكل فئة أو طائفة وتقهقر الوطن لصالح المذهب والبلد الذي حمي فيه مسيحيه جموعه المسلمة وقت الصلاة ، أصبح مسرحا لعمليات فتنة وتطرف ، وأصبحنا نسأل الله السلامة عندما يغير واحد من المواطنين دينه ويذهب للجانب الآخر ، وقامت التيارات الإسلامية بشحن المجتمع ضد العلمانيين الكفرة والذين  قاموا بدورهم برميهم بالظلامية والتخلف ومارس الإعلام دورا هابطا عندما قام بتهييج المشاعر وإبراز الخلافات والمشاحنات بين جميع الأطراف في البرامج الحوارية معتبرا  السب العلني والألفاظ التي يعاقب عليها قانون العقوبات من مظاهر الحرية .

سادسا : دائما ابحث عن التوقيت ، فلو كان – ولو بالمناسبة  تفتح عمل الشيطان – لو قام مبارك بخطوة استباقية لإرضاء جموع الشعب الغاضب في التوقيت المناسب لتغير مجري الأحداث ، ولغفر له الشعب كل خطاياه ، أقول لو حدث – مع إننا نثق في  إرادة الله ومشيئته  والتي هيئت أسباب النصر وجعلت الأمور تسير كيفما سارت عليه – وهذا بالضبط ما وقعنا فيه في نوفمبر ، عندما لم يلاحظ احد من الشباب أنهم خرجوا في التوقيت الخطأ  ، فالانتخابات علي الأبواب والشعب والأحزاب وجميع القوي مشغولة بهذا الحدث الجلل ، ومن هنا كان علي الجميع أن يكون مهموما  بها ، بدلا من ان ننادي بتغيير السلطة وتعيين مجلس رئاسي ورحيل المجلس وتعيين حكومة علي هوي التحرير وليس غيرهم ، ومطالب كثيرة لم يكن هذا وقتها .

سابعا : لم يتعاطف الكثيرون مع أحداث شارع محمد محمود وهو الشارع الذي شهد سقوط حوالي 40 من الشباب وإصابة الآلاف ، فالمشهد كان واضحا لكل ذي عينين ، ميدان ليس به شرطة ولا قوات جيش وبه متظاهرون يهتفون ويمارسون حقهم في التظاهر ولم يعترضهم احد  ، وشباب غاضب في الشوارع الجانبية والمؤدية إلي وزارة الداخلية ، وقوات امن تقف حاجزا أمامهم لمنع وصولهم لمبني الوزارة أو الشوارع المؤدية اليه ،  ثم أتت مؤخرا قوات من الجيش للفصل بين الأمن والمتظاهرين ، هذا هو المشهد في أغلب الأيام ، ولا احد ينكر الأسلوب الغبي الذي تعاملت به الشرطة مع المعتصمين صباح يوم السبت ، غير أن هذا مع قسوته لم يكن مبررا لكل ما حدث ، بالضبط كما لم تكن عملية هدم قبة في كنيسة في أبعد محافظات مصر سببا لكل التعبئة التي تمت حتي نفقد العشرات في ماسبيرو – فالمشهد في شارع محمد محمود لم يكن أبدا في صالح الثوار ولا الثورة حتي أنني سمعت بعضهم يتبرأ من هؤلاء بدعوي أن الثوار في الميدان وليسوا في الشوارع ، ومن ذهب إلي هناك كان خليطا من الالتراس  – بدافع الثأر من الشرطة – مع بعض الشباب الغاضب وغيرهم ممن لا يعلمهم إلا الله ، حدث هذا في وقت كانت فيه الشرطة مصرة وبعناد شديد علي منع من يقترب من مبني الوزارة لأنها تري فيما حدث في يوليه الماضي انتهاكا عنيفا لسمعتها وترفض تماما أن يكتب علي بوابتها ” وزارة الملابس الداخلية ” كما حدث من قبل وحذر الوزير من ذلك وتوعد من يقترب بالضرب في المليان  ، وقد سمعت من أحد الضباط هذا المعني ، حيث قال : “سيصلون للمبني علي جثثنا” ، إذن الموقف العاقل كان يحتم علي الجميع استبعاد أي مواجهة مع الشرطة في هذه الظروف العصيبة ، فوضع الأمن في مواجهة دائمة مع الشعب سوف يجعل هذه المواجهة دامية خصوصا و نكسة الشرطة الآن اخطر بكثير من نكسة 67، والغريب في الأمر أن المواجهة كانت مع الشرطة والتهمة كانت من نصيب الجيش والمجلس العسكري تحت شعار : لماذا وقف الجيش ولم يتدخل ، وهناك من اتهم الجيش بالترتيب لهذه المعركة ، حتي خرج علينا من قال أن الموجودين  في الشوارع من بلطجية الأمن استأجرهم ليضربوه ! وان العملية كلها من تدبير الجيش ، وكلمة لا بد منها : لا داعي للعداء مع الجيش فالوضع الأمني المتدهور حاليا  والمتوقع استمراره فترة ليست بالقصيرة  سوف يحتم تدخل الجيش في كثير من الأحداث ولا يصح أن نخسر اللاعب الأصلي والاحتياطي  في نفس الوقت.

ثامنا: عن المجلس العسكري أتحدث :هل هناك خلاف علي أن الثورة لم يقم بها الجيش ، أعتقد لا خلاف علي ذلك ، فالجيش علي المستوي المهني – أؤكد علي المستوي المهني – لم يمر بأوضاع تبرر ثورته ولم يكن ينتوي أن يثور علي قائده الأعلي – شئنا أو أبينا – ولم تكن أوضاعه ولا حالته في الوضع الراهن تستدعي أي ثورة أو تمرد ، إذن ماذا حدث ؟ أعتقد أن الجيش وجد كرة اللهب بين يديه ، وهي من أتت إليه وليس هو من ذهب إليها ، وإذا كان الجيش ليس هو صاحب الثورة ولا هو مفجرها فكيف لنا أن نطالبه بالحد الاقصي ونتهمه بالتقصير والتباطؤ  -والخيانة في بعض الأقوال –  لمجرد عدم تنفيذ مطلب من مطالب الثورة أو تأخيرها ؟ هذه جهة ليست ثورية بطبيعتها وبتكوينها وهي في مصر مثلما هي في كل جيوش العالم،لابد أن نتعامل مع المجلس العسكري علي انه ليس مجلسا لقيادة الثورة فهو بالفعل ليس كذلك ، ليس من المقبول منطقيا أن نطالب المجلس بتحقيق أهداف الثورة كما لو كنا نطالب قادة الثورة – إذا افترضنا جدلا أن للثورة قادة –  ، وفكرة ترك المجلس للسلطة غير عملية وغير ممكنة لأسباب عديدة وتنقلنا الي مجهول لا يعلمه إلا الله ، إذن كان علينا أن نحدد مهام الجيش والمجلس الاعلي في حدود المرحلة الانتقالية فقط ، بمعني أن نحاسبهم علي انتخابات الشعب والشوري والرئاسة وتسليم السلطة ، وأن نساعد جميعا في ألا تزيد فترة المجلس عما هو مخطط ، وما لم يتحقق بسلطة المجلس الغير المسيس والغير مدرب علي شئون السياسة  يمكن ان نحققه مع مجلس سياسي منتخب ، وإذا كنا نري أن عدم خبرة القادة العسكريين بالسياسة هو شيئ سلبي إلا أنني أراه من الايجابيات علي المدى البعيد ، علي أن جميع الاتهامات الموجهة للمجلس بالفشل في هذه المرحلة هي في حقيقتها اتهامات لكل القوي ، فقل بالله عليك ماذا فعلت الأحزاب والقوي السياسية غير الطموح إلي مناصب أو كراسي ؟ وماذا فعل الثوار علي مستوي العمل السياسي ؟ وماذا فعل الإعلام والمثقفون والنخبة ؟ من كان منهم بلا خطيئة فليرمي المجلس والجيش بقذيفة لا بحجر.نحن بارعون في انتقاد الغير واتهامه في حين نعتقد أننا علي صواب دائما، نحن تصرفنا مثل مدرب للكرة أضطر لأن يدفع بلاعب مدافع  في الملعب ورغم ذلك طلب منه تسجيل أهداف ولم يصبر عليه حتي يتم تغييره بمهاجم بين الشوطين.  

تاسعا : هذه ثورة ولدت بعيب خلقي مثلما يولد أي طفل بثقب في القلب مثلا ، وأقصد أنها ثورة لم تكن مخططة وليس لها قادة ولا قيادة ولا برنامج ، ويشاء العلي القدير أن بكتب لها النجاة برغم كل هذه الظروف السلبية ، مظاهرة أدت إلي مظاهرة أكبر ، تدخل طائش من الشرطة نتج عنه عنف تعودنا عليه ، مطالب بسيطة لم يلتفت إليها أحد عملا بنظرية القلة المندسة ، وقيادة غير رشيدة لم تستوعب كم الغضب الشعبي من سياستها المريعة ، ثم تحول الغضب إلي بركان وسقط النظام في ثمانية عشرة يوما – وهو رقم قياسي بالمناسبة – أليس من العيب أن نقارن مصر بآخرين – ليبيا مثلا – ونقول لديهم حكومة مدنية ونظام ونحن محلك سر ، يا سادة يا كرام هذه الثورة التي رعاها الله و ضحي من أجلها شبابا نحسبه عند الله شهيدا يجب أن نعاملها برفق فمقاومة الطفل ناقص النمو أقل من الطفل العادي ، كان علينا أن ننظر للمرحلة الانتقالية علي أنها مرحلة حضانة لطفل وليد في حاجة إلي رعاية وعناية أكثر من الطفل مكتمل النمو  لا أن نطالبه بالسير بعد عشرة أشهر.

عاشرا : كلمة في حق الثوار في التحرير ، برغم خلافي معكم إلا أنكم أنجزتم أشياء عظيمة سوف تسجل لصالحكم فأنتم من دفع المجلس العسكري لتحديد جدول زمني يلتزم به وأنتم من أسقطتم وزارة ضعيفة لا حول لها ولا قوة ، كل ما أتمناه أن ننهي حالة الثورة وما يتبعها  من غضب وغليان ونبدأ حالة العمل السياسي الجاد والهادئ ، والأحزاب هي الإطار المناسب للعمل والاجتهاد ، ولا يوجد ما يسمي بالشرعية الثورية ، و لا شرعية الميدان ولا شرعية التحرير ،الميدان لا يشكل حكومة ولا مجلس رئاسي ، هناك شرعية واحدة يعرفها القاصي والداني ، هي شرعية القوانين والنظام العام ، شرعية المجلس المنتخب من الشعب كله وليس من فصيل دون آخر، وشرعية الرئيس المنتخب بشكل حر وديمقراطي  ، ورغم أن اغلب من اعرفهم  لن يعجبهم ما أقول إلا أنني أتمني  ألا يفسد الخلاف للود قضية .        

Leave a comment

Filed under Uncategorized

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s