التدين في الشخصية المصري

والتدين فى الشخصية المصرية مرتبط بعناصر التاريخ والجغرافيا  , وهو مرتبط أيضا بالطبيعة الزراعية لأرض مصر , فالمصرى القديم والحديث يضع البذرة فى الأرض ويرويها من ماء النيل ثم ينتظر بزوغها ونموها وترعرعها فيرى بذلك تلك القدرة الخفية وراء كل هذا فتترك فى نفسه محبة واحتراما وتقديرا لها ورغبة محبة ومختارة فى عبادتها والتقرب إليها , ولهذا نجد إلحاح فكرة الدين والتدين على الشخصية المصرية ممثلا فى كثرة المعابد فى طول مصر وعرضها , وكثرة الرموز الدينية فى كل الآثار المصرية بشكل ملفت للنظر , فلا تكاد ترى أثرا مصريا قديما لايحمل تلك النقوش أوالرموزأ والنصوص الدينية ,  وكان اهتمام المصريين بالحياة الآخرة يفوق اهتمامهم بالدنيا , ولذلك نرى فى آثارهم غلبة القبور والمعابد على القصور والبيوت . باختصار نستطيع القول بأن الشخصية المصرية مشبعة بالدين فى مراحل نموها المختلفة عبر العصور .
 وعلاقة المصرى بالدين علاقة حساسة وغامضة وأحيانا ملتبسة ومتناقضة , ولكنها علاقة مركزية ومحورية فى أغلب الحالات , وهى علاقة طوعية خرجت من رحم الحب للإله والمودة له حيث رآه المصرى مصدرا للنماء والدفء والرخاء لذلك كان تصور الموت إيجابيا لديه فهو سيذهب إلى إله محبوب  ويحيا لديه حياة طيبة , لذلك نرى القبور عامرة بالمقتنيات والنقوش والنصوص فكأن الميت ذاهب إلى زيارة محبوب فأخذ معه مالذ وطاب لكى ينعم فى رحاب محبوبه بكل هذا حين يبعث بين يديه . وهذه العلاقة الودودة المختارة المحبة تختلف عن علاقات أخرى بالإله فى بيئات مختلفة تتسم بقسوة المناخ وصعوبة ظروف الحياة حيث تميل العلاقة أكثر إلى الرهبة والفزع والخوف من الإله .
إذن فعلاقة المصريين بالإله علاقة فيها رجاء أكثر من الخوف . وفيها ترغيب أكثر من الترهيب , ولهذا نجد المناسبات والطقوس الدينية تتحول لدى المصريين إلى احتفاليات مبهجة ومبهرجة فى غالب الأحيان , فهم قد حولوا رؤية هلال رمضان إلى احتفالية عظيمة وكذلك ليالى رمضان كانت ومازالت لهم فيها طقوس احتفالية كثيرة  تفوق كثير من الشعوب الأخرى , وكذلك يحتفلون بذكرى المولد النبوى وذكرى الإسراء والمعراج , وذكرى النصف من شعبان وذكرى عاشوراء ,  ولكل ذكرى من هذه الذكريات طقوس وطعوم خاصة تميزها . قد يقول قائل بأن هذه الإحتفاليات إرث فاطمى جاء إلى مصر مع الفاطميين , وهذا صحيح ولكن الطبيعة المصرية احتضنت هذا الإرث لأنه  وافق تركيبتها النفسية , وأضافت عليه من قريحتها التى اشتهرت قبل الفاطميين بعصور طويلة بمحبتها للإحتفاليات الدينية . كما أن علاقة المصريين بالرموز الشخصية الدينية علاقة حميمية فهم يحبون الأنبياء حبا جارفا لأشخاصهم إضافة إلى حبهم لهم كرسل يبلغون عن الله  , ويحبون من تفرع من نسلهم ويقيمون لهم الموالد والإحتفاليات بشكل مبالغ فيه أحيانا , وهذا يأتى من العلاقة المحبة بالدين ورموزه من ناحية , كما يأتى من الطبيعة العاطفية للشخصية المصرية من ناحية أخرى .
وهذا الحب المتجاوز للخوف من الإله ترك فى الشخصية المصرية علاقة ملتبسة بالغيب , فالمصرى لديه ثقة هائلة بالغيب  وتوقعات إيجابية منه تجعله فى حالة استرخاء وعدم استنفار أغلب وقته , فقد تعود أن يأتى النيل بالخير دون جهد شاق , وتعود على طبيعة هادئة ليس فيها برد قارس أو حر شديد أو زلازل أو براكين أو وحوش , وتعود على قدر هائل من التماسك والتكافل الإجتماعى المرتبط بالمجتمع الزراعى من ناحية والمرتبط من ناحية أخرى بالتعاليم الدينية المتواترة والمستقرة فى البيئة المصرية . وهذه الحالة تركت فى الشخصية المصرية حالة من الوداعة والطمأنينة العميقة والثقة فى الغيب وفى الآخر , وأحيانا تصل هذه الصفات إلى درجة السلبية والإعتمادية وانتظار الفرج من الغيب  والعون من الله ثم من الآخر ( كثيرا ما تسمع المصريين يقولون لشخص آخر : أنا هاعتمد على الله ثم عليك )

منقول من بحث للدكتور محمد المهدي – استشاري الطب النفسي

Leave a comment

Filed under Uncategorized

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s