دفاعا عن الجيش والمجلس

أكبر خطأ – من وجهة نظري وقعت فيه جميع القوي الثورية في مصر بعد الثورة هو الفهم الخاطئ للمجلس العسكري ودوره في المرحلة الانتقالية ، وبالتالي حدث الصدام وما نتج عنه من دماء سالت في مناسبات مختلفة واتهامات وتشنجات وغضب من جانب الثوار كان في مقابلها اتهامات بالعمالة والاجندات من قبل المجلس والمبرر المقبول لما حدث هو سوء الفهم ولا أقول سوء القصد ، وسأحاول توضيح وجهة النظر هذه في النقاط التالية :

اولا :لا يمكن اعتبار أن الجيش أو المجلس العسكري كانوا من القوي المحرضة علي الثورة أو المشاركين فيها فطبيعة الجيش المصري أنه غير مسيس وعلاقته فقط مع رأس النظام الحاكم ولا يتدخل في أي أمور سياسية ، وليس له دور في أي أحداث سياسية مرت بها البلاد خلال الاعوام الماضية ، وكان فقط يمارس بعض الانشطة الاقتصادية في أطار الاكتفاء الذاتي للقوات من احتياجات غذائية – وهو أمر غير معيب – وايضا كانت له مسهامات في خطط تنموية( مقاولات – مصانع – مزارع ) وكلها انشطة فرضتها ظروف حالة السلم التي استمرت لاكثر من ثلاثين عام ، فاذا كان الجيش لا يقاتل فعلي الاقل يساهم في تدبير احتياجاته ، وبرغم أن الجيش غير مسيس ولايقف مع جهة ضد أخري ولايشجع تيار بعينه الا أن أفراده ينتمون الي الشعب بجميع طوائفه وبالتالي فهم يعانون نفس المعاناة ويشتكون مما يشتكي منه الجميع ، فرواتب الضباط مثلا لا تعتبر مميزة بأي حال من الاحوال فهم يأتون في المرتبة التاسعة عشر تقريبا من حيث اعلي المرتبات الحكومية ولذلك فافراد الجيش جميعهم يعانون من ارتفاع الاسعار ومصروفات التعليم وتكاليف الحياة عموما مع محدودية دخلهم ، كما أن الجميع – افرادا وقادة – كانوا غير راضيين عن مسرحية التوريث وأعلنوا ذلك مثلهم مثل بقية الشعب

ثانيا : لابد من الاعتراف أن انحياز المجلس العسكري للشعب هو من دفع مبارك للرحيل ، فقد وجد نفسه وحيدا بلا أي قوة تحميه ، فالداخلية ذهبت ولم تعد والجيش الذي راهن عليه خذله وأعلن انحيازه للشعب الذي لا يريده ولايريد نظامه ، ومن هنا لم يجد امامه سوي الرحيل جاعلا هذا الحمل الثقيل أو الشيلة كما قال من نصيب المجلس ، وهذا معناه أنه القي بحجر ثقيل أو كرة لهب في حجر المجلس ولم يرمي اليهم باقة ورد و فل وياسمين ، وهو في ذلك التوقيت كان يعتقد انهم فاشلون فاشلون وأن هذا البلد لن يستطع غيره أن يحكمها

ثالثا : ليس معني انحياز الجيش للشعب في مطالبه باسقاط النظام أن الجميع يتحدثون نفس اللغة ويسيرون بنفس السرعة وأن الجميع يمتلكون نفس آليات التنفيذ ولهم نفس الرؤي ، هذا صحيح ، فالجميع يريدون اسقاط النظام أما الكيفية فهناك خلاف عليها ، أما الي أي مدي فلا يوجد اتفاق ، الجميع متفقون في البداية علي الوصول لهدف محدد وهو بناء دولة ديمقراطية مدنية ترفع شعار العدل والحرية والمساواة ، وكلها اهداف رائعة ولا خلاف عليها ، أما اذا قلنا كيف ؟ فهنا يبدأ الخلاف ويحتدم الصراع ، الصراع بين قوي تقليدية ممثلة في المجلس العسكري الحاكم والذي يتحرك بآلاياته التي لا يعرف سواها وبين قوي ثورية مندفعة بالكراهية للقديم وطاقة تدميرية هائلة لكل ما ينتمي للعهد البائد ورغبة عارمة للتغيير الفوري – اﻵن اﻵن وليس غدا ، هكذا كانت الصورة ومن هنا بدأ الصدام ، واذا كان المجلس العسكري معذور لأنه وجد نفسه علي كرسي الحكم وبدون مقدمات ، فهل القوي السياسية والاحزاب صاحبة الخبرة والنخبة صاحبة الصوت العالي في الفضائيات معذورة هي الاخري ؟

رابعا : عندما حل الصدام مكان التوافق وعندما بدأ العناد يسيطر علي الجميع ، بدأت الاتهامات بين جميع الاطراف وبدأ سوء الظن هو المحرك لجميع القوي والاتجاهات وتعامل الثوار وأغلب القوي الوطنية مع الجيش والمجلس العسكري علي أنهم ثورة مضادة وانهم يقتلون روح الثورة ويقومون بالتخريب المتعمد لمنجزاتها ، وهذاخطأ دفعهم اليه بطء قرارات المجلس وعدم تفاعله بالقدر الكافي مع مطالب الشارع المتزايدة وهي حقيقة كان يمكن فهمها لو كنا نعلم جيدا حقيقة المجلس ، كيف يفكر وما هو اسلوبه لادارة الامور ، أما ان نطلب من المجلس العسكري أن يفكر بطريقة ائتلافات الثورة ومرشحي الرئاسة فهذا غير منطقي ، فلهم اسلوبهم التقليدي فهي عادتهم ولن يشتروها

خامسا : عندما بدا المجلس في تنفيذ الخارطة التي أعدها والتي تلخصت في انتخابات للشعب والشوري ثم الدستور فالانتخابات الرئاسية ، كان يتوقع من الجميع الالتزام بهذا المسلسل ، غير أن أغلب القوي بدأت في مرحلة التشكيك ثم التخوين : التشكيك في نوايا المجلس لتسليم السلطة مع ظهور دعاوي وفتاوي عديدة ولعل أغربها من وجهة نظري هو تحليل الغاء اتفاقية الغاز مع اسرائيل علي أنها حركة مقصودة من المجلس لاشعال الصراع مع اسرائيل حتي يكون ذلك مبررا لاستمرار المجلس في الحكم، والتحليل السابق لوائل قنديل في الشروق ، وهو ضمن فتاوي عديدة أطلقت سهاما علي من لا يستحق ،ووضعت المجلس في خانة الدفاع عن النفس وتقديم دعاوي البراءة من جرم لم يرتكبه، كما ظهرت فرية جديدة أطلقها الجميع وعلي رأسهم الاخوان وملخصها أن المجلس سوف يقوم بتزوير انتخابات الرئاسة وهو كلام لا يصح من جماعة نجحت في انتخابات غير مزورة ، فبعد أن نجح الاخوان في الانتخابات وحازوا علي الاغلبية أنقلبوا علي المجلس عندما وجدوا انه يمثل عقبة كبيرة أمام تحقيق أهدافهم في السيطرة علي الجمل بما حمل وبعدها انضموا الي صفوف مهاجمي المجلس بالحق احيانا وبالباطل في أغلب الاحيان بعد أن فقدوا كثيرا من رصيدهم والذي أعتقد أنه رصيد غير مستحق وسبب حصولهم علي هذا الرصيد يرجع الي ضعف المنافس الذي وجد ضالته في الانتقال بين قنوات التليفزيون والتقوقع داخل الفضائيات وترك لهم الشارع سداحا مداحا فبداوا يجذبون الشعب من خلال رشاوي الخبز وانابيب البوتاجاز وظهروا أمام الجميع علي أنهم القوة المنظمة الوحيدة والمؤهلة للحكم

سادسا : كان لشعار يسقط حكم العسكر رد فعل سلبي علي الجميع فافراد الجيش – والمجلس ايضا – لا يحبون هذه التسمية لانها ترجع الي عصر المماليك وتحمل في طياتها معاني القهر والاذلال والجميع يفضل تسمية الجنود أو الجيش ، هذا من ناحية ومن ناحية اخري فالشعار يؤكد علي أن الجيش هو من يحكم البلاد والواقع انه من يدير هذه المرحلة ولا يخطط للحكم ولا لوجوده علي رأس السلطة ،كان الاولي أن يرفعوا شعارات الدولة المدنية التي يريدها الجميع بدلا من التركيز علي أهانة المجلس في كل مناسبة ومطالبته بالرحيل ونحن نعلم أن هذا ما يخطط له ، علما بان رافعي الشعار لم يقدموا أي بديل مقنع ولا عقلاني ، فمن يستطيع السيطرة علي بلد بها كل هذا الحجم من المشكلات : لا أمن ولا أقتصاد ولا تنمية ولا سياحة وفلتان في الشارع والمدرسة والمؤسسات الحكومية والخاصة وأخلاق وصلت للحضيض وقوي سياسية طامحة في السلطة وقوي غير سياسية دخلت في عباءة السياسة وفرضت نفسها بالدراععلي المجتمع وان لم تكن مصدقا فراجع منظر الظواهري بملابسه السوداء وهو يجوب شوارع العباسية ومعه فرقته الملثمه يهددون ويتوعدون

سابعا : تم اتهام الجيش بأنه يسحل ويقتل ويعذب وحجتهم في ذلك ما حدث في ماسبيرو ومجلس الوزراء ومحمد محمود وأخيرا العباسية ، ولو دققنا في التسميات لاكتشفنا أنها للاماكن السيادية التالية : مبني الاذاعة والتليفزيون ومبني مجلس الوزراء ووزارة الداخلية ومقر وزارة الدفاع ، فمن الذي أغري المعتصمين والثائرين بالذهاب الي هذه الاماكن وماالغرض من مهاجمتها ؟ ومالم يفهمه البعض من أن الجنود لديهم مهمة واضحة بالدفاع عن مكان ما وعدم دخوله أو اقتحامه ، فهم ينفذون ذلك ، هم جنود يتدربون علي هذا الامر وليسوا مفاوضين أو لديهم حرية حركة في فعل هذا أو ذاك ، طبيعة الجنود وأسلوب تعاملهم مع الاحداث ليس بها أي مرونة ، فلماذا يذهب الجميع للصدام معهم في أمكنة مطلوب منهم حمايتها ، وعلي من لا يقتنع أن يدلني علي حادثة واحدة ذهب فيها الجيش الي المعتصمين فضربهم وأهانهم وفعل بهم كذا وكذا ، الجنود والضباط كانوا يتوسلون الي بعض الثائرين عند وزارة الداخلية للذهاب الي التحرير حيث المكان المعتمد للتظاهر والاعتصام وبدون أي تدخل ، العكس هو الصحيح هم من ذهب الي مباني رئيسية ، بغرض ضربها وكان علي الجنود منعهم ، ومع انضمام فئات غريبة للمتظاهرين – الالتراس مثلا – أختلط الحابل بالنابل ولم يعد أحد يعرف من يحرك هؤلاء ومن يقود ومن يأمر فيطاع

ثامنا : لمن يكن سويا من أطلق أكذوبة أن الجيش ليس هو المجلس العسكري واصحاب هذه المقولة كانوا يعطون لنفسهم المبرر لنقد بل ومعاداة المجلس الحاكم في الوقت الذي يبدون فيه متعاطفين ومتفهمين لدور الجيش ، والحقيقة أنه لايمكن فصل الجيش عن المجلس ، لايمكن لاحد أن يعادي قائد الكتيبة وفي نفس الوقت يحترم ويقدر جنوده ، هذا كلام لايليق فالجيش يقوده المجلس والمجلس يحرك قوات الجيش ، هل توقع اصحاب هذه النظرية أن ينزل اليهم اعضاء المجلس العسكري ليدافعوا عن مبني الوزارة علي أعتبار أنهم هم الاعداء ؟ واذا كنتم علي خلاف مع المجلس فلماذا لم تحصروا هذا الخلاف في النطاق السياسي فقط ؟ الم تشبعوا كلاما ونظريات ونقد وتجريح وصل الي درجة السب والقذف ؟

تاسعا : أنا لا أعفي المجلس من مسئوليته عن أحداث كثيرة ولكني أتفهم واثق في دوره الوطني وأقدر حجم المسئولية الملقاة عليه وخصوصا اذا كان يمارس مهاما جديدة عليه ولم يتعود عليها ، فبدلا من أن نتعاون معه قذفناه بالحجارة وعلقنا له المشانق واسمعناهم غث الكلام من خلال أعلام فاسد وغبي لا يهمه سوي حجم الاعلانات ونسبة المشاهدة ، وبعد أن كان بمصر خبير استراتيجي واحد أو اثنين أصبح عندنا ثمانون مليون خبير وتم رفع الجمارك عن الكلام فسمعنا كل من هب ودب ، يفتي في أمور لا يعلمها وبدلا من أن يبدأ الجميع في مرحلة العمل بعد اسقاط النظام وسجن رؤوسه رأيناهم في مليونيات متعاقبة في التحرير وكأن التحرير هو المنقذ والمخلص وكأننا سوف نبقي هناك الي ماشاء الله ، فلم ينتقل أحد من خانة الثورة الي خانة السياسة بل يبدو – والعلم عند ربي – أن الجميع استعذب دور الثوري وظل يمثل الدور حتي بعد غلق الستار ، ولعل موقف الدكتور البرادعي من تشكيل حزبه دليلا علي ما أقول ، فبعد الثورة بأكثر من عام تم الاعلان عن الحزب فأين كنتم خلال هذه المدة ؟ ولماذا تأخر الاعلان؟

عاشرا: كل من عادي الجيش وأهانه وأهان القوات واراد تأليب الجنود علي قادتهم ورفع المشانق لاعضاء المجلس لا يعرف ولا يقدر طبيعة المرحلة التي تعيشها البلاد ، فدور الجيش لن ينتهي بعد انتخابات الرئاسة ، قد ينتهي دور المجلس السياسي ولكن دوره العسكري والقيادي لن ينتهي في ظل غياب الامن وتعرض البلاد لموجة من الانفلات ، فالبلطجية منتشرون في طول البلاد وعرضها ، وتجار المخدرات أصبحوا يهاجمون اقسام البوليس للافراج عن المعتقلين وتهريبهم ليضافوا الي الالاف الهاربين من السجون ، والاسلحة اﻻن ليست المسدسات بل البنادق اﻵلية والمدافع ، وانتشرت حوادث القتل والخطف والاغتصاب واصبحنا نسمع علي جرائم جديدة ، فهل نصدق أن كل هذا سيختفي بعد انتخابات الرئاسة ؟ من سيؤمن امتحانات الثانوية العامة من عبث العابثين ومن يحمي مباريات الكرة ؟ ومن ينقل نقود البنوك ومن يحمي منشآت البلد ؟ ياسادة ياكرام من أكثر الاضرار التي أصابت مصر بعد الثورة غياب هيبة الدولة وغياب الامن فلا قبضة حديدية ولا حتي حريرية ، فكيف بعد ذلك نصر علي الصدام مع الجيش

Leave a comment

Filed under Uncategorized

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s