الجيش والاخوان علي صفيح ساخن

الجيش والاخوان علي صفيح ساخن
“شهر العسل الذي انتهي قبل ان يبدا”
اذا رغبنا في فهم ما حدث عصر يوم الثالث من يوليو الحالي فلا بد من فهم طبيعة العلاقة بين الاطراف المختلفة لللعبة , أو علي الاقل الاطراف الفاعلة واعني بها الجيش والاخوان المسلمون , وهما الطرفان الرئيسيان , وسوف أحاول رصد العلاقة بينهما خلال الاعوام السابقة للأجابة علي السؤال كيف وصلنا الي عصر الثالث من يوليو ؟
لا يمكن ان نتجاهل ثقافة الجيش المصري وعلاقته بالسياسة خلال الاعوام السابقة والتي يمكن تلخيصها في عاملين رئيسين اولهما : أنه جيش غير مسيس بمعني عدم وجود أي تيارات سياسية داخله وعدم انتمائه لأي اتجاه سياسي محدد , والثاني انه جيش وطني منتمي للوطن والوطن فقط , فلم نري أي دور للجيش في صراعات السلطة قبل ثورة يوليو بين الوفد والاحزاب الاخري ,وعندما قامت الثورة كان من بين اهدافها الستة : بناء جيش وطني قوي سليم , بغرض حماية الثورة والوطن والقيام باعمال خارج الحدود في اطار السياسة الناصرية التي ركزت علي دعم الشعوب الشقيقة في مواجهة تيارات الرجعية والاستعمار , وهي فترة المد الوطني والتي انتهت في اواخر الستينيات بعد هزيمة يونيو غير أن نفس الجيش وبقيادة عرابي هو من وقف في وجه الزحف البريطاني في القرن الماضي دفاعا عن الوطن ووقفت خلفه جموع الفلاحين والبسطاء من شعب مصر في أعظم المشاهد الوطنية التي التحم فيها الجيش والشعب علي مر العصور , نحن باختصار امام جيش وطني وغير مسيس وليس له أي دور في المسار اليومي للاحداث السياسية .
وقد قامت قيادة الجيش في الثلاثين عاما الماضية – فترة حكم مبارك – بتنقية الجيش من جميع العناصر التي تنتمي سياسيا لآي تيار , وهذا الاجراء كان ضروريا بعد أن علم الجميع أن العقل المدبر لعملية اغتيال السادات كان ضابطا في المخابرات الحربية وان القتلة جميعهم كانوا من ابناء هذه المؤسسة , وتوالت خلا ل هذه الفترة التضييق علي جميع عناصر الاسلام السياسي بكل طوائفها وليس الاسلام السياسي فقط بل كل التيارات اليسارية واصحاب النشاط السياسي عموما , فكل من كان له ملف في أمن الدولة تم استبعاده , وأغلب الطلبة الذين شاركوا في مظاهرات بالجامعة أو اعتراضا علي معاهدة السلام تم استبعادهم من التجنيد , وبدأت الاجهزة الامنية في فحص التاريخ العائلي لكل المتقدمين للكليات العسكرية للتأكد من عدم الانتماء السياسي لهم أو لذويهم , حتي من كان له قريب أو صديق مشتبه في نشاطه السياسي كان يتم التضييق عليه , ودفعه الي ترك الخدمة , مما أسفر عن جيش بلا أخوان وبلا أي تيارات سياسية , وليس من العدل أن نقول انه جيش مؤهل ومدرب لخدمة وحماية النظام بل العدل أن نعتبره جيشا مهنيا في خدمة الوطن وهي الحقيقة التي تجلت بوضوح في يناير ومابعدها.
وأذكر عندما أشتكي نظام مبارك من أهدار العملا ت الصعبة في رحلات الحج والعمرة كان الجيش هو أول من بادر بتحجيم هذه الرحلات للافراد وقصرها علي مرة واحدة فقط ومن خلال مؤساساته المعنية , بالاضافة لقرارات اخري بمنع دخول النوادي للمنتقبات واصحاب اللحي , وكلها اجراءات تدور في اطار استبعاد جميع التيارات السياسية من الانخراط في صفوفه وعلي رأس قائمة المستبعدين تيار الاسلام السياسي وفي القلب منهم الاخوان حتي استيقظنا في يناير 2011 علي جيش بلا أخوان وبالطبع بلا سلفيين أو غيرهم .
وعندما قامت ثورة يناير ووجد المجلس العسكري نفسه في قلب الحدث وتدحرجت كرة اللهب حتي استقرت في كوبري القبة , في ظروف ملتبسة وهائمة علي الجميع , وبدأ المجلس في التعامل مع الاخوان باعتبارهم التيار الوحيد المنظم والذي له رأس وذيل بخلاف كل التيارات والائتلافات التي ظهرت وقتها , ولدورهم في الحشد وأصواتهم المرتفعة دائما , وقتها ظهرت كثير من التناقضات بين الطرفين وامتدت فترات المد والجزر بينهما, ويمكن تلخيص ما حدث في عدم ثقة الجيش والمجلس في جماعة الاخون المسلمون وعدم الارتياح لقيادتهم البلاد غير أنهم لم يستطيعوا الوقوف أمام أختيار الشعب وأمام تهديد الاخوان بحرق البلد في حالة عدم الاعلان عن فوز مرشحهم , وقد كان المجلس متخوفا من تسليم البلد للاخوان – كما قال المشير طنطاوي – وحاول أن يماطل ويستبقي بعض السلطات في يده من خلال الاعلان الدستوري غير أنه فشل في مسك العصاة من المنتصف فما كان الاخوان ليسمحوا له بذلك , وانتهي المشهد بالعزل التراجيدي لطنطاوي وعنان , العزل الذي سبب صدمة عصبية لكل افراد الجيش والذي أعتبروه خروجا مهينا وغير مشرف وبدأت موجة الغضب في التصاعد , ويمكن فهم مشهد خروج طنطاوي المؤثر علي كل افراد الجيش علي أعتبار أنهم كانوا ينتظرون التكريم اللائق للقادة – وهذا ما تعودوا عليه – وليس الاطاحة به والذي لم تشفع له قلادة ولا منصب ,
ويبدو أن القائد الجديد كان واعيا بظروف المرحلة حتي أنه استعد لها فظروف منصبه السابق كمدير للمخابرات حتمت عليه الاقتراب من المشهد السياسي وقد فرح الاخوان بوجود اقارب من الاخوان للوزير الجديد معتقدين أنه ضالتهم المنشودة والواقع أن هذا الوزير أو أي أحد غيره كان سيسير في نفس الطريق فالقضية لا يمكن تلخيصها في شخص بعينه ومالم يره الاخوان هو حجم البغض لسياساتهم في الجيش وايضا في الشارع المصري , والمتابع لكل تدريبات وتحركات الجيش خلال الشهور السابقة سيلاحظ التركيز علي قوات معينة وعلي تدريبات خاصة والهدف كان واضحا وهو الاستعداد لما ستأتي به الايام داخليا وليس خارجيا .
وقد ارتكب الاخوان – عن قصد او بدون – مجموعة من الاخطاء القاتلة في حق الجيش من بينها ما حدث في احتفالات اكتوبر والذي حشدوا فيه كل المؤيدين لتيارهم واصحاب اللحي والعمائم وبدأوا يتغنوا بالنصر كما لو كانوا هم من صنعوه ونسوا في غمرة نشوتهم دعوة جيل أكتوبر والذي كان غائبا عن المشهد , الذي ضم فيمن ضم قتلة السادات والذي اراد الاخوان أن يحتفلوا بنصره من خلال تكريم قاتليه , علي أي حال كان المشهد عبثيا ويدل علي أنهم يرتكبون خطأهم التاريخي وهو: الجماعة فوق الوطن , وتوالت المشاهد الكارثية وكلما أتسعت الهوة سمعنا الرئيس مرسي يؤكد ويؤكد علي أنه القائد الاعلي للقوات المسلحة وأن الجميع يأتمرون بأمره وكلما سمعنا منه هذا النشيد تأكد الجميع أن الامور تسير في اتجاه القطيعة وأن الرياح سوف تأتي بما لا تشتهي السفن.
وقد عمق الفشل الاخواني للبلاد الحقيقة التي ترسخت لدي مؤسسات كثيرة ومن بينها الجيش بأنهم غير مؤهلين للقيادة , فالخصام بين الاخوان وكل مؤسسات الدولة بدأ ظاهرا علي السطح فبعد التوتر مع الجيش ظهرت ازمة القضاء والمحاولة المستميتة للسيطرة عليه ثم توالت المؤسسات : فالاعلام فاسد والمثقفون في حاجة الي وزير يردعهم فضلا عن علاقة الاخوان بالشرطة والمتردية أصلا , ولو دققنا في الشهرين الاخريين من حكم الاخوان – مايو ويونيو – لوجدنا أن أغلب المصريين كانوا علي شفا عصيان مدني وهذا الامر قد أثر سلبا علي موقف المؤسسة العسكرية من مؤسسة الرئاسة , وزاد الامور سوءا الموقف من المعارضة السورية ومحاولة زج الجيش في الموضوع والذي قابله الوزير الجديد – السيسي – بالحزم اللازم عندما أعلن عن رفضه للتدخل في سوريا , وأيضا عندما اراد الجيش ان يقوم بعمليات تطهير في سيناء بعد أن ازدادت أعداد التيارات الاسلامية الجهادية هناك , وقتها وقف الرئيس دون تحقيق ذلك بحجة عدم قتل المصريين بعضهم بعضا , علي الرغم من أن الرئيس هو من قام بالافراج عن أعداد كبيرة من هؤلاء الجهاديين وسمح لغيرهم بدخول البلاد بعد أن كانوا علي قوائم الممنوعين .وقد كان موقف الرئاسة من التحقيق في قتل الجنود في شهر رمضان الماضي محيرا للجيش فقد رفضت الاستدعاء الرسمي للقتلة المنتمين الي حماس وأقترح الرئيس علي وزير الدفاع مقابلة خالد مشعل لتسوية الامر , وهذا ما رفضه الوزير معتبرا هذا الموقف تخاذلا في الثأر من ارواح الشهداء , ثم جاء بعدها ما حدث للجنود المختطفين في سيناء والمحاولات الرئاسية المستميتة لأنهاء الموضوع بدون تدخل عسكري من باب المساواة بين الخاطفين والمخطوفين وكلها أشارات مستفزة لكل من يلبس الزي العسكري وكلها تعمق المسافة بين القوات المسلحة وقائدها المنوط بحمايتها وحماية أمن الوطن والذي يثبت كل يوم أنه في وادي والقوات في واد آخر.
وعندما بدأت حملة تمرد في جمع التوقيعات وأنضم لصفوف المطالبين بتنحية الاخوان أغلب فئات الشعب وقتها صدرت دعاوي كثيرة بنزول الجيش وانهاء هذا الوضع بالقوة حتي أن كثيرين مما كانوا يهتفون بسقوط العسكر , طالبوا بنزوله لتخليصهم من حكم الاخوان وعند ذلك أظهر الجيش العديد من التلميحات الخفية مفادها : نحن معكم ولكن أغضبوا أنتم أولا وسوف نتولي نحن الباقي , وكأن الجيش يطلب من الناس النزول في 30 يونيو بكثافة تبرر تدخله , وهو ما قد حدث , فالجيش قد وجد الغطاء الشرعي لتدخله عصر الثالث من يوليو عندما نزلت الملايين مطالبة بالتغيير وانتخابات رئاسية مبكرة , وأثق تماما في ان المشهد لو كان مختلفا أو أقل مما يجب لما حدث أي تدخل , فأنذار الثمانية واربعين ساعة كان قد حدث بعد أن تأكد للجيش من وقوف اغلب فئات الشعب في صف التغيير وما حدث قبلها يمكن اعتباره مناوشات وعمليات شد وجذب , وكان من الذكاء الشديد للجيش أن يبتعد عن دائرة صنع القرار أو علي الاقل لا يحتكره , حتي لا يكرر الخطأ السابق وبذلك ينتهي شهر العسل – الذي لم يبدأ اصلا – بين الاخوان والجيش وتنهي حلقة من حلقات صراع بين قوي رئيسية في المجتمع نسأل الله ان تمر بسلام , ملخص القول هو أن الجيش لا يرغب في حكم الاخوان ويعتبره تهديدا للامن القومي غير أنه ما كان يجرؤ علي التحرك خطوة واحدة بدون دعم شعبي وبدون غطاء من الرغبة الشعبية التي تتوافق معه ولو افتقد الجيش هذا الغطاء الداعم لتحركه لما تحرك من الاصل ولبقي في ثكناته كاظما غيظه كاتما مشاعر بغض لجماعة الاخوان المسلمين صابرا ومحتسبا لمرور ثلاث سنوات أخري من حكم الجماعة .

 

Leave a comment

Filed under Uncategorized

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s